فريق حكومي جديد وعوائق هيكلية قديمة: مسار النجاح / د.أحمد يوره ولد حي

بواسطة mohamed

يتعين على التشكيلة الحكومية المنبثقة عن التعديل الوزاري الأخير أن تتصدى بحزم للمعوقات الهيكلية القديمة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني.

 وتتعلق هذه التحديات بالاعتماد على الموارد الطبيعية، وضعف تنوع الإنتاج وتدني القدرة التنافسية، والهشاشة أمام التغيرات المناخية والإجهاد المائي، ونقص البنية التحتية، وهشاشة النسيج الإنتاجي الذي يطغى عليه القطاع غير المصنف، والتفاوتات الجهوية، وسوء الحوكمة، وعدم كفاءة أنظمة التعليم والوساطة المالية، ومحدودية القدرات المؤسسية.

يُضاف إلى ذلك حالياً إكراهات خارجية ناجمة عن تداعيات الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط، والتوترات القائمة في الشمال والشرق، وقضية الهجرة — بحكم كون البلاد منطقة عبور نحو أوروبا ومستقراً للاجئين —، فضلاً عن ضعف التكامل الإقليمي الذي يفاقمه افتقار النسيج الاقتصادي إلى التنوع.

ويتطلب مسار نجاح الفريق الحكومي بالضرورة التحرر من "استبداد الطوارئ"، وتقديم حلول ملموسة على المدى القصير، والتحضير للمستقبل من خلال صياغة وتنفيذ استراتيجية تنموية على المديين المتوسط ​​والطويل، تتمحور حول تعظيم موارد القطاعات الاستخراجية وتوظيفها كمصدر لتمويل تحول هيكلي للاقتصاد.

ويرتكز هذا التحول الهيكلي ، في جوهره، على التنمية السريعة لأربعة مجالات: (أ) تطوير المحتوى المحلي بهدف توطين الثروة داخل الاقتصاد، وتنمية فرص العمل وتنافسية الشركات ، وتحسين الظروف المعيشية للسكان؛ (ب) توسيع نطاق القطاع الزراعي بمفهومه الشامل (الإنتاج النباتي، والإنتاج الحيواني والصيد)، وذلك لضمان السيادة والأمن الغذائيين، وتثبيت السكان في مناطقهم ؛ (ج) النهوض بالطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والخدمات المرتبطة بالطاقة، باعتبارها ركيزة أساسية للقدرة التنافسية المستقبلية للبلاد ومجالاً تتمتع فيه بميزة تفاضلية مؤكدة؛ و(د) تعميم الحلول الرقمية والخدمات الموجهة للمؤسسات، وهو ما يترك أثراً ملموساً بشكل خاص على فئة الشباب من الخريجين، وعلى الشركات الصغيرة والمتوسطة. وينبغي تنفيذ الأنشطة في هذه المجالات بالتوازي مع تطوير رأس المال البشري، والتشغيل المُنتِج، والقطاع الخاص، والبنية التحتية، والقدرة التنافسية الجهوية، والحوكمة الاقتصادية.

ويتطلب ذلك حشد الخبرات الضرورية وتوظيفها بفعالية وضمان استمراريتها، مقرونةً ببراغماتية رشيدة، من أجل قيادة الإصلاحات الضرورية على مستوى الاقتصاد الكلي، والتفاوض بشأن العقود المعقدة، ولا سيما في مجالات التعدين والمحروقات والصيد البحري.

ولن يتسنى تحقيق النتائج المرجوة والمتمثلة في إرساء نمو مستدام وشامل ومولّد لفرص العمل، إلا في ظل مناخ يتسم بالنزاهة المطلقة ومبدأ "عدم التسامح مطلقاً" مع الفساد لا سيما في إدارة الموارد العامة، والقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، والصفقات العمومية، وإدارة الأراضي. ومن شأن ذلك أن يؤدي حتماً إلى الاستخدام الأمثل للموارد المحدودة المتاحة، واستعادة مصداقية الإدارة — التي طالما طالتها الانتقادات — لدى السكان وشركاء التنمية على حد سواء.

وإلى جانب الخبرة والواقعية والنزاهة، يُعد نهج القرب من السكان أمراً لا غنى عنه لاستيعاب الحقائق المحلية بشكل دقيق، ولإيصال رسالة واضحة تضمن فهم السكان للسياسات العمومية — وهو أمر قد يكون صعباً أحياناً — ومن ثم ضمان انخراطهم الضروري فيها.

ومن جهة أخرى، فإن " التسيير القطاعي المنعزل " الذي ساد إلى حدّ كبير حتى الآن، قد أفضى، من بين أمور أخرى، إلى بطء اتخاذ القرارات وازدواجية الجهود. ولن يتسنى تحقيق الترابط الفعّال والتكامل الإيجابي بين المجالات التي تفصل بينها حاليًا الحواجز الإدارية، مثل البرمجة والاستثمار والتكوين والتشغيل والعمل الاجتماعي، إلا من خلال تنسيقٍ تام وشامل بين مختلف القطاعات الوزارية. وعلى الرغم من أن ميزانية البرامج، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2026، توفر الإطار الملائم لتحقيق هذا التنسيق، فإن نجاحها يظل رهينًا إلى حدّ كبير بتجاوز الخلافات التقليدية بين القطاعات الوزارية، وبإحكام الرقابة على الأداء من قِبل وزارة المالية والجمعية الوطنية، اللتين ينبغي تعزيز قدراتهما ووسائلهما بشكل جوهري للاضطلاع بهذه المهمة على الوجه المطلوب.

وفضلًا عن ذلك، لا بدّ من إخضاع العمل الحكومي لتقييم مستمر، بعيدًا عن كل أشكال الشعبوية والخطاب الإنشائي المنمّق الذي لا يتجاوز حدود الصالون. وينبغي أن يستند هذا التقييم إلى مؤشرات ملموسة، قابلة للقياس ومفصّلة قدر الإمكان، من قبيل تحسّن القدرة الشرائية، وخلق فرص العمل، وجودة الخدمات العمومية، والولوج إلى التعليم والصحة، وتحسين وضع الأطفال والمراهقين— وهو ملفٌ دقت منظمة اليونيسف بشأنه ناقوس الخطر مؤخراً— بالإضافة إلى جودة الخدمات العامة، والبنية التحتية، والحد من الفقر بمفهوميه المالي ومتعدد الأبعاد.

وبطبيعة الحال يقع على عاتق الوزير الأول — الذي يحدد سياسة الحكومة تحت سلطة رئيس الجمهورية — دورٍ محوريٍّ في حشد جهود الفريق الحكومي وتنسيق جهودهم، ورسم المسار العام، والسهر على تنفيذ البرامج ضمن الآجال المحددة. كما يقع على عاتقه، بكل وضوح وحيادية، الفصل في الخلافات أو التجاذبات التي قد تنشأ بين القطاعات الوزارية المختلفة. وفي هذا السياق، ينبغي إتاحة الفرصة لكل وزير لتحمل مسؤولياته كاملةً والمبادرات المرتبطة بها، وتحمّل تبعات قراراته، وعرض نتائج عمله، وتقبّل عملية التقييم التي تُعد ركيزة أساسية لأي تقدم ومحركاً جوهرياً لتعزيز الشفافية والثقة.

ومن المسلم به أن استقرار السياسات يشكل الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الدولة، غير أن استقرار الفرق الحكومية المكلفة بتنفيذ هذه السياسات — وهو أمر يختلف عن الجمود وعدم التغيير—، يكتسي أهمية بالغة. فهذا الاستقرار يسهم، في الواقع، في ضمان استمرارية العمل العمومي ووضوح معالمه، وإحكام تسيير الإدارة العمومية، وتعزيز المصداقية على الصعيد الدولي، وترسيخ ثقة المواطنين.

إن مسار النجاح أمام الفريق الحكومي لا يكمن في التسرع أو الارتجال؛ بل على العكس من ذلك، يعتمد هذا المسار على الرؤية العقلانية، والإرادة، والجرأة، والعمل القوي والمنسق، والصبر، والحرص الشديد على تحقيق نتائج مستدامة على المدى البعيد. إن تحويل التحديات الهيكلية إلى فرص مستقبلية مسارٌ محفوفٌ بالعقبات، وقد ينتهي بالفشل. وكما قال ثيودور روزفلت، أصغر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة: «من الصعب تحمل الفشل، لكن أسوأ منه أن لا تحاول النجاح أبداً».