القيادة طويلة الأمد

بواسطة mohamed

الشيخ ولد المامي

ثم إن بعض المجتمعات، في مراحل معينة من تطورها السياسي، تحتاج إلى قيادة تمتلك رؤية طويلة المدى، وتستطيع مواكبة التحولات الكبرى التي يتطلبها بناء الدولة. 

فهناك مجتمعات خرجت من حروب أهلية، وأخرى عاشت عقودًا تحت هيمنة المؤسسة العسكرية، وثالثة ظلت أسيرة الانقسامات العرقية والقبلية والجهوية، حتى أصبحت هذه الانقسامات جزءًا من ثقافتها السياسية ومن طريقة توزيع السلطة والثروة والنفوذ فيها. ومثل هذه المجتمعات تحتاج إلى مشروع وطني متكامل، وإلى وقت كافٍ لترسيخ قواعده وتغيير أنماط التفكير التي أعاقت قيام الدولة الحديثة.

فبناء الدولة أعمق من تغيير الحكومات، وإصلاح المجتمع أوسع من تداول المناصب؛ قد يتغير الرئيس في كل بضع سنوات، بينما تبقى العقلية السياسية على حالها، وتستمر المؤسسات في إنتاج الاختلالات نفسها، وتعود الصراعات القديمة بأسماء ووجوه جديدة. 

وقد تحتاج بعض التحولات التاريخية إلى قيادة تستمر مدة تسمح لها بتجاوز مقاومة المصالح التقليدية، وتثبيت قواعد جديدة للحكم والإدارة، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وبين السلطة والمجتمع.

ومن هنا يمكن فهم الجاذبية التي تمارسها فكرة القيادة طويلة الأمد في المجتمعات التي تبحث عن الاستقرار والنهضة؛ فحين يعيش بلد ما اضطرابًا متكررًا، أو يعاني ضعف مؤسساته، أو يجد نفسه عاجزًا عن تجاوز الانقسامات التي تهدد وحدته، يصبح وجود قيادة ذات رؤية ممتدة خيارًا يراه بعض الناس ضروريًا لإنجاز التحول، غير أن قيمة هذه القيادة تُقاس بما تؤسسه من قواعد ومؤسسات، وبقدرتها على جعل الدولة أقوى من الأشخاص الذين يتولون قيادتها.

ولعل التجربة التركية تقدم مثالًا على التحولات التي يمكن أن ترافق استمرار قيادة سياسية مدة طويلة؛ فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002، ثم تولي رجب طيب أردوغان رئاسة الحكومة عام 2003 ورئاسة الجمهورية عام 2014، شهدت تركيا تحولات واسعة في الاقتصاد والبنية التحتية وموقعها الإقليمي، كما تغيرت طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحياة السياسية؛ وقد أسهمت السنوات الأولى من حكم الحزب في توسيع آفاق الإصلاح، وتعزيز حضور تركيا الاقتصادي والدبلوماسي.

ومع ذلك، فإن التجربة التركية تكشف أيضًا أن طول البقاء في السلطة قد يرافقه تراجع في بعض الضمانات الديمقراطية، وتزايد الجدل حول استقلال المؤسسات والحريات العامة، وهذا ما يجعل التجربة جديرة بالدراسة من جوانبها المختلفة؛ فهي تطرح سؤالًا جوهريًا عن الحدود التي ينبغي أن تقف عندها سلطة القيادة، وعن قدرة الدولة على الحفاظ على مكتسباتها حين تتراجع المسافة بين مؤسساتها وشخص الحاكم.

أما رواندا، فتقدم نموذجًا مختلفًا، ارتبطت فيه القيادة طويلة الأمد بمهمة إعادة بناء الدولة بعد واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث. 

فبعد الإبادة الجماعية عام 1994، واجهت البلاد تحديات استثنائية تتعلق بالمصالحة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة الأمن، ومعالجة الانقسامات الاجتماعية التي قادت إلى الكارثة. 

وفي ظل قيادة بول كيغامي، اتجهت رواندا إلى تعزيز سلطة الدولة، وتحديث الإدارة، وتوسيع الاستثمار في التنمية، وترسيخ خطاب الوحدة الوطنية.

وقد حققت البلاد تقدمًا ملحوظًا في مجالات إعادة الإعمار والتنمية وتطوير المؤسسات، وأصبحت تجربتها موضع اهتمام واسع في الدراسات المتعلقة ببناء الدولة بعد النزاعات. 

لكن هذا المسار رافقته انتقادات تتعلق بتضييق المجال السياسي، والقيود المفروضة على المعارضة والحريات العامة.

وتكشف الحالة الرواندية بذلك عن معضلة شديدة الحساسية: كيف يمكن بناء الاستقرار والوحدة الوطنية من دون أن تتحول المحافظة عليهما إلى مبرر دائم لتقييد التعددية السياسية..؟

ويمكن استحضار سنغافورة في هذا السياق أيضًا، من خلال تجربة لي كوان يو، الذي قاد البلاد رئيسًا للوزراء بين عامي 1959 و1990. 

فقد ارتبط عهده بتحولات واسعة نقلت سنغافورة من ظروف اقتصادية صعبة إلى مركز اقتصادي وتجاري عالمي، عبر الاستثمار في التعليم، والانضباط الإداري، وجذب رؤوس الأموال، وبناء جهاز حكومي ذي كفاءة عالية. 

وقد أظهرت هذه التجربة أهمية الاستمرارية في تنفيذ السياسات العامة، وفي تكوين رؤية تنموية تتجاوز الحسابات السياسية قصيرة المدى، مع بقاء نقاش مستمر حول حدود التعددية السياسية في النموذج السنغافوري.

وتفيد هذه التجارب، على اختلاف ظروفها التاريخية والسياسية، بأن الاستمرارية قد تساعد على تنفيذ المشروعات الكبرى وتثبيت الإصلاحات، وأن النتائج ترتبط كذلك بنوعية المؤسسات، ومستوى الكفاءة الإدارية، وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمجتمع، ومدى قدرة النظام السياسي على تصحيح أخطائه. 

فطول المدة وحده لا يصنع نهضة، كما أن تغيير القيادات بصورة متكررة لا يضمن بالضرورة تجدد الحياة السياسية أو تحسن الأداء الحكومي.

وهنا تبرز نقطة أخرى تتعلق بالمجتمعات التي عانت طويلًا من الحكم العسكري، فالتخلص من هيمنة المؤسسة العسكرية على السياسة يحتاج إلى أكثر من انتقال شكلي للسلطة إلى المدنيين؛ إذ يتطلب بناء مؤسسات دستورية مستقرة، وإخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وترسيخ ثقافة سياسية تقبل التداول السلمي للحكم. 

وتقدم كوريا الجنوبية مثالًا مهمًا في هذا المجال، فقد انتقلت من عقود من الحكم العسكري إلى نظام ديمقراطي ترسخ تدريجيًا، وأسهمت الحركة الشعبية المطالبة بالديمقراطية والتفاوض السياسي في تهيئة ذلك التحول، وتبين تجربتها أن تجاوز الإرث العسكري ممكن عندما تتضافر إرادة المجتمع مع ترتيبات مؤسسية تضمن خضوع الجيش للسلطة المدنية.

ومن هذه الزاوية، يصبح النقاش حول القيادة طويلة الأمد أكثر عمقًا من المفاضلة بين رئيس يبقى سنوات طويلة وآخر يغادر بعد مدة قصيرة، فالسؤال الحقيقي هو: هل تستطيع القيادة أن تغيّر القواعد التي أنتجت الأزمات، وأن تنقل المجتمع من الولاءات الضيقة إلى المواطنة، ومن الاعتماد على الأشخاص إلى الثقة بالمؤسسات، ومن التنافس على النفوذ إلى التنافس على البرامج والإنجازات..؟

إن الاستقرار السياسي قيمة مهمة، خصوصًا في المجتمعات التي تواجه تحديات بناء الدولة وترسيخ الوحدة الوطنية، لكنه يكتسب معناه الكامل حين يوفر بيئة للتنمية، ويعزز سيادة القانون، ويحمي الحقوق، ويفتح المجال أمام تجدد النخب والكفاءات. 

ولذلك، فإن القيادة التي تُحدث تحولًا تاريخيًا هي التي تنجح في جعل مشروعها قابلًا للاستمرار بعد مغادرتها، وتترك وراءها مؤسسات قادرة على العمل، ومجتمعًا أكثر ثقة بنفسه، ونظامًا سياسيًا يستطيع تجديد قياداته من دون أن يفقد استقراره أو يتخلى عن أهدافه التنموية.

فالرهان الأهم أصبح على عمق الأثر الذي يتركه في القائد الدولة والمجتمع، وكلما نجحت القيادة في تحويل رؤيتها إلى مؤسسات وقواعد مستقرة، ازدادت فرص استمرار الإنجازات، وأصبح الانتقال السياسي فرصة لتجديد التجربة الوطنية بدل أن يكون مصدرًا للخوف من المجهول.

إن ماتحتاجه موريتانيا اليوم هو الاستقرار ثم الاستقرار، وجو الانفتاح السياسي الذي وضع قواعده الرئيس الحالي، وإعادة تمهين المؤسسة العسكرية، وإبعادها عن التجاذبات السياسية، شكل خطوة في اتجاه التأسيس لديمقراطية حقيقية، فالشعب قد مل الديمقراطيات الشكلية، وماعاد يثق فيها. 

لذلك فإن منح الرجل فرصة لإكمال مابدأ، لن يكون أسوء من إجهاض مشروع وضعت أسسه وفق القواعد الصحيحة، ثم إن الشعب هو من أكسب الدستور حرمته، وهذا الشعب مازال موجودا، ومصلحته فوق النصوص، والإصلاحات الدستورية مفتوحة مهما دعت الحاجة لها، ومعايير الفترة التي حصنت فيها مواد المأموريات ماعادت تنطبق على الواقع، وإذا زال السبب، بطل المسبب.