بعد خمس سنوات على إنشاء المعهد الوطني الموريتاني للفنون، لم ينجح المعهد في تخريج جيلٍ يُذكر من الممثلين أو المخرجين، ولم يصنع حراكًا فنيًا يوازي الآمال التي عُلِّقت عليه عند تأسيسه. ومع ذلك، وجد نفسه اليوم يحتفي بممثلين تركيين، هما عبد الحي جلال آل وكنعان جوبان، في مشهد يثير أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة.
ليس الاعتراض على الأشخاص في ذواتهم، ولا على حقهم في النجاح داخل بلدهم، وإنما على المؤسسة الموريتانية التي يفترض أن تكون معنية أولًا بالفنان الموريتاني، وبناء الإنسان الموريتاني، وحماية الذاكرة الفنية الوطنية، قبل أن تتحول إلى منصة لتوزيع شهادات التكريم على نجوم الدراما التجارية الأجنبية.
فأي أثر ثقافي تركه عبد الحي أو كنعان في موريتانيا؟ وما الذي قدّمته الدراما التركية لمعالجة اختلالات المجتمع الموريتاني، أو الإسهام في نهضته الثقافية؟ وهل كان تأثيرها يتجاوز حدود الترفيه والاستهلاك التلفزيوني حتى تستحق هذا الاحتفاء الرسمي؟
ثم أين يقف هذا التكريم أمام أسماء موريتانية صنعت الدراما المحلية بإمكانات محدودة، وواجهت ظروفًا قاسية، وأسست لتجربة وطنية تستحق الاحترام؟ أين عبد الرحمن لاهي وبابا مين وبون ولد أميده، والتقي عبّد الحي وسالم دندو، وعبد الله سعيد، ومحمد الحسن ولد بخوصه، ومصطفى البان، وأعمر ولد أكي، وخون ولد فال، وحيبل ولد أعمر، وبن ولد شنوف، ووان سليمان، وعالي صو، وغيرهم ممن حملوا عبء الإنتاج والتمثيل والإخراج في ظروف يعرفها الجميع؟
أليس هؤلاء أولى بشهادات التكريم؟ أليسوا أولى بأن يفتح لهم المعهد أبوابه، وأن تُروى تجاربهم لطلابه، وأن يُحتفى بإسهاماتهم في صناعة الدراما الوطنية؟
بل ما العلاقة العلمية أو الأكاديمية التي تربط المعهد الوطني الموريتاني للفنون بهذين الممثلين حتى يقيم لهما حفلات التكريم والاحتفاء؟ هل قدّما دورات تدريبية؟ هل أسهما في تكوين الطلبة؟ هل شاركا في بناء تجربة فنية موريتانية؟ أم أن الأمر لا يتجاوز صورة تذكارية واحتفالًا عابرًا لا يترك أثرًا في الواقع الفني؟
إن المؤسسات الثقافية لا تُقاس بعدد الاحتفالات، بل بما تنتجه من كفاءات، وما تبنيه من مشاريع، وما تحفظه من ذاكرة وطنية. وإذا كان المعهد، بعد سنوات من تأسيسه، لم يحقق ما ينتظره الوسط الفني في مجال التكوين، فإن الأولى أن ينشغل بمراجعة حصيلته، بدل البحث عن بريقٍ مستورد يمنحه حضورًا إعلاميًا مؤقتًا.
إن المشهد يكشف، في نظر كثيرين، خللًا في ترتيب الأولويات الثقافية. ففي الوقت الذي ينتظر فيه الفنانون الموريتانيون الاعتراف الرسمي، والدعم، وفرص التأهيل، تتجه البوصلة نحو تكريم شخصيات أجنبية لا تربطها بالمشهد الفني الموريتاني علاقة مباشرة.
ليس المطلوب الانغلاق على الذات، ولا معاداة الانفتاح الثقافي، فالتبادل الفني قيمة حضارية لا خلاف عليها. لكن الانفتاح الحقيقي يبدأ من احترام الذات الثقافية، ومن إنصاف المبدع الوطني، ثم الانطلاق إلى العالم من موقع الثقة، لا من موقع الارتهان لبريق الآخرين.
فالثقافة التي تعجز عن الاحتفاء بأبنائها، لن تصنع لنفسها مكانة بين الأمم. والتكريم الذي يتجاوز أصحاب البيت إلى ضيوفه، بينما يظل أهل الدار على هامش المشهد، لا يصنع مجدًا ثقافيًا، بل يكرس شعورًا مؤلمًا بأن الاعتراف في وطننا أصبح يأتي للغريب قبل القريب.










