المأمورية الثالثة: خطأ لا يليق برجل دولة

بواسطة mohamed

فخامة رئيس الجمهورية،
أكتب إليكم بصفتي عسكريًا سابقًا عايش تفاصيل كثيرة من تاريخ هذا البلد، ويعرف—من داخل التجربة—كيف تشكّلت السلطة في موريتانيا منذ 1978، وكيف دفعت الدولة أثمانًا باهظة كلما اختلطت الشرعية بموازين القوة. لم يكن الوصول إلى الحكم، في أغلب محطاته، ثمرة انتخابات مكتملة الشروط، بل نتاج انقلابات أو ترتيبات فرضتها الضرورة أو الواقع. والاستثناء الوحيد الذي يُستحضر دائمًا هو انتخابات 2007، بوصفها لحظة أمل قصيرة في مسار كان يحتاج إلى التثبيت لا إلى التراجع.
اليوم، ونحن نقترب من أفق 2029، لا يحق لنا أن نعيد إنتاج الأسئلة نفسها، ولا أن نغامر بما تحقق من تهدئة وانفتاح خلال عهدكم. لقد نجحتم في تخفيف الاحتقان، وفتحتم المجال لحوار أكثر اتزانًا، وهذه مكاسب لا يختلف عليها منصف. لكن القيمة الحقيقية لهذه المكاسب لن تُقاس بما تحقق في الحاضر فقط، بل بما ستؤسسون له عند لحظة الخروج من السلطة.
فخامة الرئيس، إن الحديث عن مأمورية ثالثة، أو عن تمديد الفترات الرئاسية، ليس مجرد نقاش سياسي عابر، بل هو اختبار أخلاقي وسياسي في آن واحد. وأقولها لكم بصراحة واحترام: هذا المسار لا يليق بمكانتكم، ولا ينسجم مع الصورة التي رسّختموها كرجل دولة هادئ ومتزن ومنحدر من مجتمع ذو أخلاق وثقافة وتربية روحية راسخة. فقوة القائد لا تُقاس بقدرته على البقاء ولو كان مدعوما خارجيا، بل بقدرته على المغادرة في الوقت المناسب، تاركًا وراءه قاعدة لا سابقة، ومؤسسة لا شخصًا.
إن التاريخ لا يرحم، لكنه ينصف. وسيكتب، دون مجاملة، من الذي اختار أن يرفع السقف، ومن الذي آثر أن يحمي الدولة من إغراءات التمديد. وأنتم اليوم أمام فرصة نادرة: أن تكونوا أول من يرسّخ، فعليًا، تقليدًا مستقرًا للتداول، لا استثناءً عابرًا يُذكر في الخطابات.
وفي هذا السياق، فإن النقاش الدائر حول الأسماء المحتملة لقيادة المرحلة المقبلة يعكس حيوية المشهد، لكنه يضع على عاتقكم مسؤولية مضاعفة. من بين الأسماء المتداولة: المختار ولد أجاي، مولاي ولد محمد لغظف، سيدي محمد ولد محم، الناني ولد أشروقه، با عثمان، محمد أحمد ولد أحويرثي، وبمب ولد درامان. لكل واحد من هؤلاء مساره وتجربته، ولكل منهم أنصاره ومؤيدوه. لكن الرهان الحقيقي ليس في الاسم بقدر ما هو في المعايير: الكفاءة، القبول، القدرة على الجمع، والاستعداد لقيادة مرحلة مختلفة في أدواتها ومنهجها.
إن اختياركم، إن تم في إطار احترام الدستور وروح التداول، سيُحسب لكم لا عليكم، وسيمنح من يخلفكم شرعية مضاعفة، لأنه سيأتي في سياق واضح لا لبس فيه. أما أي انزلاق نحو التمديد أو الالتفاف، فسيُضعف الجميع، مهما كانت النوايا حسنة.
فخامة الرئيس، لقد عرفتم المؤسسة العسكرية، وتعرفون أكثر من غيركم أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على موازين القوة وحدها، بل على الثقة. والثقة لا تُفرض، بل تُكتسب—وتُصان—بالالتزام بالقواعد، لا بتعديلها عند الحاجة.
إن موريتانيا اليوم ليست بحاجة إلى مغامرة جديدة، بل إلى تثبيت ما تحقق، والبناء عليه. وأنتم تملكون مفاتيح هذه اللحظة. فاختاروا أن تُذكَروا كمن أغلق باب التأويل، وفتح باب اليقين.
وتفضلوا، فخامة الرئيس، بقبول فائق الاحترام.
الحقوقي عبد الله ولد البشير
عسكري سابق، متابع للشأن العام الوطني