في خطوة تعكس وعياً متقدماً بأهمية الاستثمار في التعليم، وإدراكاً لمسؤولية النخب العلمية والاجتماعية تجاه تنمية مجتمعاتها المحلية، بادر الدكتور محمد لمين حلس إلى تنظيم يوم تكويني تطوعي لصالح أساتذة ثانوية أوجفت، في مبادرة تربوية تحمل أبعاداً تتجاوز حدود النشاط التكويني التقليدي، لتلامس إحدى أكثر القضايا ارتباطاً بمستقبل المجتمع، وهي جودة التعليم وتطوير أداء المؤسسات التربوية.
وتكتسب هذه المبادرة أهميتها من طبيعة الموضوع الذي اختارته، ومن الفئة المستهدفة بها، إذ وضعت المدرس في صدارة الاهتمام، باعتباره أحد المحددات الأساسية لجودة العملية التعليمية، وأحد أبرز الفاعلين في تشكيل المسار المعرفي والتربوي للأجيال.
كما ركز اليوم التكويني على مناقشة سبل تحسين الممارسات التدريسية، وتطوير الأداء المهني، وتبادل الخبرات، واستكشاف أساليب أكثر فاعلية في التعامل مع التحديات التي تواجه العملية التعليمية.
مبادرة تتجاوز الدعم التقليدي
ما يميز هذه الخطوة أنها جاءت في صيغة مبادرة تطوعية، تعكس انتقال الاهتمام بالتعليم من دائرة المطالب العامة إلى مستوى الفعل والمساهمة المباشرة.
فبدلاً من الاكتفاء بتشخيص الصعوبات التي تعاني منها المؤسسات التعليمية، اختار الدكتور محمد لمين حلس أن يجعل من التكوين مدخلاً عملياً للمساهمة في معالجتها، واضعاً خبرته وجهده في خدمة مؤسسة تعليمية محلية.
وتبرز في هذا السياق أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به الأطر الأكاديمية والمهنية ورجال الأعمال والفاعلون الاجتماعيون في دعم التعليم، ليس فقط من خلال المساعدات المادية، وإنما أيضاً عبر نقل الخبرات، وتنظيم الدورات التكوينية، والمساهمة في بناء القدرات، وتوفير المبادرات التي تترك أثراً مستداماً في أداء المؤسسات.
ومن هذا المنظور، تمثل مبادرة الدكتور محمد لمين حلس نموذجاً للمسؤولية المجتمعية التي لا تكتفي بإبداء الاهتمام بالشأن العام، بل تسعى إلى ترجمته إلى خطوات عملية قابلة للتطوير والتكرار.
إشادة بلدية ودعوة إلى تعميم التجربة
وقد حظيت المبادرة بتقدير عمدة بلدية أوجفت، السني عبداوه، الذي أشاد بالخطوة، معتبراً أنها الأولى من نوعها على مستوى المقاطعة، ومؤكداً أهمية مثل هذه المبادرات في مساندة الجهود الرامية إلى تحسين أداء المنظومة التعليمية.
كما وجه العمدة دعوة إلى الأطر والكفاءات الوطنية ورجال الأعمال والفاعلين الاقتصاديين للاقتداء بهذه التجربة، والمساهمة في دعم قطاع التعليم، بما يعزز التكامل بين الجهود الرسمية والمبادرات الفردية والمجتمعية.
وتعكس هذه الإشادة إدراكاً محلياً لأهمية المبادرات التي تستهدف تطوير الموارد البشرية، وتؤكد أن النهوض بالتعليم مسؤولية مشتركة لا يمكن حصرها في المؤسسات الرسمية وحدها.
تشخيص واقعي لتحديات المؤسسة
ومن خلال النقاشات التي شهدها اليوم التكويني، أتاح اللقاء للأساتذة فرصة عرض جملة من الإشكالات التي تؤثر في أداء الثانوية، حيث تركزت المداخلات حول نقص التجهيزات والوسائل التعليمية، وضعف التحصيل الدراسي، والاكتظاظ، والتسرب المدرسي، فضلاً عن محدودية فرص التكوين المستمر وغياب الدعامات التربوية الكافية.
وتكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة، لأنها تكشف أن تحسين جودة التعليم لا يرتبط بعامل واحد، وإنما يتطلب معالجة مجموعة من الاختلالات المتداخلة، تبدأ بتأهيل المدرس وتوفير الظروف المهنية المناسبة له، ولا تنتهي عند تحسين البيئة المدرسية وتعزيز الوسائل التعليمية ومواكبة التلاميذ دراسياً.
كما أن إثارة هذه التحديات في إطار تكويني تفاعلي تمنح المبادرة بعداً تشخيصياً إضافياً، إذ لم تقتصر على تقديم المعارف والخبرات، بل أتاحت مساحة للاستماع إلى الفاعلين الميدانيين والوقوف على احتياجات المؤسسة من واقع تجربتهم اليومية.
الدكتور محمد لمين حلس.. حين تتحول الكفاءة إلى مبادرة مجتمعية
إن القيمة الأبرز لهذه المبادرة تكمن في الرسالة التي تحملها، والمتمثلة في أن مكانة الأطر والكفاءات لا تُقاس فقط بمساراتها العلمية والمهنية، وإنما تتعزز أيضاً بمدى ارتباطها بقضايا مجتمعاتها واستعدادها لتسخير معارفها وخبراتها في خدمة الصالح العام.
ومن هذا الباب، تستحق خطوة الدكتور محمد لمين حلس التنويه، ليس لمجرد تنظيم نشاط تكويني، وإنما لما تعكسه من توجه نحو جعل المعرفة أداة للمساهمة في التنمية المحلية، وإعادة الاعتبار لدور المبادرات الفردية في معالجة بعض الإشكالات التي تواجه القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم.
كما أن تنظيم مثل هذه الأنشطة يفتح المجال أمام بناء تقليد مجتمعي جديد، يقوم على مساهمة الكفاءات المحلية في تأهيل المؤسسات التي استفادت منها مجتمعاتها، وعلى تحويل التضامن الاجتماعي من مفهوم عام إلى ممارسة ذات أثر مباشر.
التعليم مسؤولية تتطلب استمرارية
ومع أهمية هذه المبادرة وما حظيت به من تقدير، فإن الرهان الحقيقي يظل في إمكانية البناء عليها، وتحويلها إلى مسار متواصل من التكوين والمواكبة، بما يتيح للأساتذة فرصاً منتظمة لتطوير مهاراتهم، ويساعد المؤسسة على مواجهة التحديات التي تم تشخيصها.
فالتكوين المستمر، وتوفير الوسائل التعليمية، ومعالجة الاكتظاظ والتسرب المدرسي، وتعزيز التحصيل العلمي، كلها مسارات متكاملة تحتاج إلى تنسيق بين الإدارة التربوية والسلطات المحلية والفاعلين المجتمعيين.
وفي المحصلة، تقدم مبادرة الدكتور محمد لمين حلس بثانوية أوجفت مثالاً إيجابياً على قدرة المبادرات التطوعية الواعية على فتح مسارات جديدة لدعم التعليم، وتؤكد أن خدمة المجتمع لا تكون دائماً عبر المشاريع الكبرى، بل قد تبدأ بخطوة علمية مسؤولة، تستثمر في المدرس، وتستهدف تحسين المدرسة، وتضع مستقبل الأجيال في صدارة الأولويات.
إنها مبادرة تستحق التقدير والتثمين، كما تستحق أن تجد امتداداً لها، حتى لا تظل تجربة استثنائية، بل تتحول إلى ثقافة مجتمعية تجعل من دعم التعليم مسؤولية يتقاسمها الجميع.













