ولاية آدرار : حين تتراجع الأحزاب أمام سطوة الأحلاف القبلية

بواسطة mohamed

محمد أعليوت
المدير الناشر لوكالة أوجفت نيوز

لم تعد التحولات التي تشهدها الممارسة السياسية لدى بعض القوى المحسوبة على الأغلبية الداعمة للنظام في ولاية آدرار مجرد اختلافات في التقدير أو تنافس طبيعي على المواقع والنفوذ، بل باتت تثير أسئلة جوهرية بشأن طبيعة الحياة الحزبية، وحدود استقلال القرار السياسي، ومدى قدرة الفاعلين المحليين على الانتقال من منطق الولاءات التقليدية إلى مقتضيات الدولة الحديثة.

فخلال السنوات الماضية، برزت مؤشرات على تراجع الاعتبارات السياسية والمؤسسية أمام تصاعد نفوذ التحالفات ذات الطابع العشائري، التي يبدو أن حساباتها في كثير من الأحيان تتقدم على البرامج الحزبية، وتضع المصالح الضيقة فوق الأولويات التنموية والمطالب المشروعة للمواطنين. 

وبهذا التحول، يصبح الانتماء الاجتماعي أداة لتشكيل موازين القوة، بدل أن يكون التنافس السياسي قائمًا على الرؤى والخيارات والقدرة على تقديم حلول واقعية لمشكلات المجتمع.

إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في وجود الروابط الاجتماعية والعشائرية في حد ذاتها، فهي جزء من البنية الاجتماعية للمجتمع، وإنما في توظيفها لإعادة تشكيل المجال السياسي على أساس الانقسام والتعبئة الفئوية. 

فعندما تتحول الروابط التقليدية إلى مرجعية حاكمة للعمل الحزبي، يفقد الحزب تدريجيًا وظيفته التحديثية، ويتحول من إطار لتنظيم المشاركة السياسية إلى ساحة لتجميع الولاءات وتوزيع النفوذ وفق اعتبارات لا صلة ضرورية لها بالكفاءة أو المصلحة العامة.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء دولة المؤسسات لا يستقيم مع ترك المجال الحزبي خاضعًا لمنطق الأحلاف المتنافسة، لأن الدولة الحديثة تقوم على عمومية القانون ووحدة المواطنة وتكافؤ الفرص، لا على تعدد مراكز النفوذ الاجتماعي داخل المؤسسات السياسية. 

كما أن الأحزاب التي تطمح إلى ممارسة دور وطني مسؤول مطالبة بإثبات استقلالها عن الحسابات الضيقة، وتقديم نموذج في التنظيم الديمقراطي، وتداول المسؤولية، والاحتكام إلى البرامج بدل الارتهان لموازين العصبية.

فالعمل الحزبي، في جوهره، ليس امتدادًا للصراعات الاجتماعية، ولا وسيلة لإعادة توزيع المكانة بين المجموعات، وإنما هو ممارسة مدنية تستهدف تأطير المواطنين، وتطوير الوعي العام، وبلورة البدائل السياسية، ومراقبة الأداء العمومي، والمساهمة في تحقيق التنمية. 

ومن ثم، فإن اختزاله في الولاءات العشائرية يمثل انحرافًا عن الغاية التي من أجلها نشأت الأحزاب بوصفها مؤسسات للوساطة بين المجتمع والدولة.

وتزداد الحاجة إلى مراجعة هذا المسار حين يصبح التنافس على النفوذ المحلي غاية في ذاته، فتتراجع قضايا التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل والخدمات الأساسية إلى مراتب ثانوية، بينما تستنزف الطاقات في صراعات لا تنتج حلولًا للمواطنين، ولا تعزز الثقة في المؤسسات، بل قد توسع دائرة التوجس والانقسام داخل المجتمع الواحد.

إن تصحيح مسار الحياة السياسية في ولاية آدرار يقتضي، أولًا، ترسيخ الفصل بين الانتماءات الاجتماعية والخيارات السياسية، بما يضمن احترام الخصوصيات المجتمعية دون السماح بتحويلها إلى أدوات للإقصاء أو الاحتكار. 

كما يتطلب إعادة الاعتبار للبرامج الحزبية، وربط المسؤولية بالكفاءة، وإخضاع الممارسة السياسية للقواعد القانونية والتنظيمية، وإتاحة المجال أمام المواطنين لاختيار ممثليهم على أساس ما يقدمونه من تصورات والتزامات، لا على أساس الاصطفافات الموروثة.

وفي هذا السياق، تستدعي التطورات المسجلة في ولاية آدرار، ولا سيما في مقاطعة أوجفت، وقفة جادة أمام مظاهر التعبئة ذات الطابع القبلي التي تؤججها بعض التحالفات السياسية. 

فحين تتجاوز المنافسة حدودها المشروعة، وتتحول إلى استقطاب اجتماعي يهدد السلم الأهلي أو ينتقص من مكانة المؤسسات، تصبح المعالجة مسؤولية سياسية وقانونية تتطلب الحكمة والحزم معًا، بعيدًا عن الانتقائية أو ازدواجية المعايير.

ولا يمكن اعتبار الصمت عن التجاوزات، إن ثبتت، ضمانة للاستقرار، كما لا يجوز التعامل مع القانون بمنطق الولاء أو الخصومة. 

فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإرضاء مراكز النفوذ، وإنما بتطبيق القواعد على الجميع، وحماية حق المواطنين في المشاركة السياسية، وصون المجال العام من كل ممارسة من شأنها أن تقوض الثقة في الدولة أو تضعف مبدأ المساواة أمام القانون.

إن المرحلة الراهنة تفرض على الفاعلين السياسيين في آدرار مراجعة أساليب العمل والتأطير، والانتقال من سياسة استقطاب الجماعات إلى سياسة بناء المؤسسات، ومن حسابات المكاسب الفئوية إلى منطق المسؤولية العامة. 

كما تضع على عاتق الأحزاب مسؤولية استعادة دورها الطبيعي باعتبارها مدارس للممارسة الديمقراطية، وأطرًا لتكوين النخب، ومنابر للتنافس على خدمة المواطنين.

فالدولة المدنية لا تُبنى بتكريس موازين العصبية داخل الحياة السياسية، والديمقراطية لا تُختزل في حشد الأنصار خلف التحالفات الاجتماعية، وإنما تتجسد في احترام القانون، وتكافؤ الفرص، وحرية الاختيار، وتداول المسؤولية، والاحتكام إلى البرامج والإنجازات.

إن مستقبل العمل السياسي في ولاية آدرار لن تحدده قدرة الأحلاف على توسيع نفوذها، بل قدرة الفاعلين على تجاوز منطقها نحو مشروع سياسي جامع، تكون فيه المواطنة أساس الانتماء الوطني، والكفاءة معيارًا للمسؤولية، وخدمة المواطن الغاية النهائية لكل ممارسة سياسية.

وما لم يتحقق هذا التحول، فستظل الحياة الحزبية معرضة لإعادة إنتاج الاختلالات القديمة في قوالب جديدة، وسيبقى المواطن الخاسر الأكبر في صراع تتقدم فيه المصالح الضيقة على مقتضيات الدولة ومصالح المجتمع ومستقبل الديمقراطية.

            محمد أعليوت
المدير الناشر لوكالة أوجفت نيوز