السيد رئيس الجمهورية،
عندما طرحتم في أطار السؤال الجوهري: «بعد 66 سنة من بناء الدولة، إلى أين نسير؟»، فإنكم لم تطرحوا سؤالاً عادياً، بل فتحتم أمامنا سؤالاً وطنياً كبيراً يتجاوز الحاضر إلى مستقبل موريتانيا.
قبل 66 سنة، كانت الأولوية هي أن نبني الدولة: مؤسسات، إدارة، جيشاً، طرقاً، مدارس وخدمات. وقد تعاقبت أجيال موريتانية ساهمت، كل من موقعها، في بناء هذا الوطن. واليوم أصبح من حق الجيل الجديد أن يسأل: ماذا نريد من الدولة خلال الخمسين سنة القادمة؟
إن الإجابة، في تقديري، لا ينبغي أن تكون مجرد تعداد للمشاريع المنجزة، ولا مجرد تشخيص للنقائص؛ بل يجب أن تكون رؤية وطنية واضحة للانتقال من دولة تسعى إلى توفير الأساسيات إلى دولة تصنع القيمة وتستثمر في الإنسان وتحوّل مواردها إلى قوة اقتصادية وتنموية.
موريتانيا اليوم ليست موريتانيا الأمس. لدينا موارد معدنية وغازية، وإمكانات كبيرة في الطاقة المتجددة، وموقع جغرافي استراتيجي، وثروة بشرية شابة. لكن السؤال الحقيقي هو:
كيف نحول هذه الإمكانات إلى اقتصاد منتج؟
وكيف تتحول الثروة الوطنية إلى فرص عمل؟
وكيف يصبح المواطن شريكاً في التنمية لا مجرد مستفيد منها؟
ومن هنا، أعتقد أن المرحلة القادمة يجب أن تقوم على خمسة تحولات أساسية:
أولاً: الانتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد القيمة المضافة.
لا يكفي أن نستخرج الحديد أو الغاز أو الذهب؛ المطلوب أن نبني حول هذه الموارد صناعات وخدمات ومهارات وطنية تخلق القيمة وفرص العمل.
ثانياً: جعل الطاقة رافعة للتنمية الوطنية.
موريتانيا تملك فرصة تاريخية في الغاز والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. والتحدي ليس فقط في إنتاج الطاقة، وإنما في استخدامها لتطوير الصناعة، وتحلية المياه، والزراعة، والنقل، وخلق اقتصاد جديد أكثر تنوعاً.
ثالثاً: بناء أقطاب تنموية حقيقية في الداخل.
إذا ظل النشاط الاقتصادي والخدمات وفرص العمل متمركزة في العاصمة، فسيستمر الضغط على نواكشوط والهجرة من الداخل. التنمية المتوازنة تقتضي أن تكون لكل ولاية وظيفتها الاقتصادية ومزاياها التنافسية.
رابعاً: الاستثمار في الإنسان قبل البنية التحتية.
الطريق والميناء والمصنع مهمة، لكن الإنسان المؤهل هو الذي يجعل هذه المشاريع منتجة. لذلك يجب أن يصبح التعليم التقني والتكوين المهني والهندسة والبحث العلمي جزءاً من صميم المشروع الاقتصادي الوطني.
خامساً: الانتقال من منطق تسيير الأزمات إلى منطق التخطيط للمستقبل.
موريتانيا تحتاج إلى رؤية تمتد إلى 2040 و2050، تحدد بوضوح: أين نريد أن نصل؟ وما القطاعات التي سنعتمد عليها؟ وما المهارات التي نحتاجها؟ وما موقع القطاع الخاص؟ وكيف نقيس النتائج؟
السيد الرئيس،
إن السؤال الذي طرحتموه في أطار يمكن أن يتحول إلى عنوان لعقد وطني جديد حول التنمية:
ليس السؤال فقط: ماذا أنجزنا خلال 66 سنة؟
بل السؤال الأهم:
ماذا نريد أن نترك للأجيال القادمة بعد 66 سنة أخرى؟
هل نترك لهم بلداً يعتمد على تصدير موارده الخام، أم بلداً يصنع ويحوّل ويصدر المعرفة والطاقة والمنتجات؟
هل نترك لهم دولة تتركز فيها الفرص في العاصمة، أم دولة تكون فيها كل ولاية قطباً من أقطاب التنمية؟
هل نترك لهم موارد طبيعية مستخرجة، أم اقتصاداً وطنياً بني حول تلك الموارد؟
وهنا تكمن أهمية سؤال أطار: «موريتانيا التي نريد» ليست شعاراً، وإنما مشروع دولة.
وأعتقد أن الجواب الحقيقي عن سؤال «إلى أين نسير؟» يجب أن يكون:
نسير نحو موريتانيا أقوى بمؤسساتها، أكثر عدلاً في توزيع فرصها، أكثر اعتماداً على كفاءاتها، وأكثر قدرة على تحويل مواردها إلى إنتاج، وإنتاجها إلى قيمة، والقيمة إلى رفاه للمواطن.
فإذا كانت الأجيال السابقة قد نجحت في بناء الدولة، فإن مسؤولية جيلنا هي أن نبني اقتصاد الدولة الحديثة، ونترك للأجيال القادمة موريتانيا أقوى مما ورثناها.
وهذه، في النهاية، ليست مسؤولية الحكومة وحدها، ولا النخبة وحدها، بل مسؤولية وطنية مشتركة.
بقلم : المهندس ابراهيم الخليل ول السالك ول محمد مختار










