إن قراءةَ ما وراء السطور في الحراك الجاري هذه الأيام، والمطالبِ بفتح المأموريات الرئاسية، ونوعيةِ المشاركين فيه، ثم ما تلا ذلك من ردّات الفعل التي قوبل بها هذا الحراك حتى الآن، تكشف عن مؤشراتٍ تستحق التوقف والتأمل.
أولًا:
وضوحُ وسلامةُ المنطق الذي بُرّر به التصدي لمطالب المأموريات المفتوحة، وما كشف عنه هذا التصدي من حجم المعاناة، وما عبّر عنه المواطنون في مختلف ربوع الوطن من تذمرٍ إزاء تواضع الخدمات المتاحة، وما يعيشونه من أوضاعٍ بائسة.
يقول دعاةُ فتح المأموريات: «الكلمة ـ أولًا وأخيرًا ـ للشعب».
والشعبُ، حالُه، هو ما وصفناه آنفًا...
ثانيًا:
إن هذا الرفض الشعبي، وهذا التصدي لمثل هذه الممارسات، واستحضارَ النصوص القانونية التي تحظر مثل هذه المطالبات، يكشفان عن تنامٍ ملحوظ في منسوب الوعي الشعبي، ويشكلان في الوقت ذاته اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات على حماية قواعد اللعبة الديمقراطية، والتعامل مع المطالب والضغوط المختلفة، دون أن تفقد بوصلتها أو تنحرف عن مقتضيات القانون والدستور.
ثالثًا:
يبدو مسارُ الممانعة طويلًا وشاقًا، لكنه قد يكون، في نهاية المطاف، الطريقَ الأكثر أمانًا نحو ترسيخ دولة المؤسسات؛ دولةٍ تحكمها القواعد لا الأهواء، وتُصان فيها استمرارية الدولة فوق إرادة الأشخاص.
ولو قُدّر لهذا الرفض، وتلك الممانعة، أن ينجحا في لجم طموح «دعاة المأمورية»، لأمكننا القول ـ حينئذ ـ إننا أمام إرهاصات ميلاد "دولة المؤسسات"، وإن جاء ذلك بعد مخاضٍ عسير.
فدولةُ المؤسسات، في نهاية المطاف، هي حبلُ النجاة وصمامُ الأمان؛ ومخاضُها، مهما بدا عسيرًا، يظل أهونَ من كلفة الانحراف عن المسار، وأقدرَ على تجنيب الوطن ما يمكن أن تفضي إليه مثل هذه المنعطفات ـ لا قدّر الله ـ من أزمات وهزات لاتحمد عقباها.










