يشكل الحوار الوطني أحد أبرز التعهدات التي أعلنها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني خلال حملته الانتخابية الأخيرة، حيث تعهد بتنظيمه فور فوزه، وهو ما تحقق لاحقا عبر تعيين منسق للحوار، تمثل في السياسي البارز موسى افال، مع التأكيد على أن هذا الحوار سيكون شاملا لا يقصي أحدا ولا يستثني أي موضوع.
غير أن هذا الطرح الشامل أثار جدلا واسعا، إذ يرى بعض المراقبين أن مفهوم الحوار لا يمكن أن يكون مفتوحا على إطلاقه، سواء من حيث الأطراف المشاركة أو المواضيع المطروحة للنقاش، فالحوار، بطبيعته، يظل إطارا نخبويا يقتصر على الفاعلين السياسيين والخبراء وهيئات المجتمع المدني، وإن كنا لاحظنا غياب أو تغييب بعض هذه العناصر، كما أن هناك ثوابت وطنية لا ينبغي أن تكون محل نقاش، مثل الوحدة الترابية، والدين الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر، وكذا مسألة المأموريات الرئاسية ومددها، باعتبارها من المكتسبات الدستورية التي لا تحتمل التراجع إلى الوراء، لما في ذلك من تقويض للمكتسبات الديمقراطية ومساس بمنطق التراكم التدريجي في بنائها.
يُؤخذ على هذا الحوار، في أحد أبرز أوجه القصور، أنه لم يستند إلى ورقة مرجعية علمية معدة من طرف خبراء مستقلين ومحايدين، لتشكل أرضية موضوعية للنقاش بين مختلف الفاعلين السياسيين، فغياب مثل هذه الوثيقة حرم المشاركين من إطار منهجي واضح يمكنهم من البناء عليه، عبر الإضافة والحذف والتعديل، وصولا إلى مخرجات متوازنة وتوافقات مدروسة تعكس مقاربة علمية رصينة بدل الاكتفاء بتبادل مواقف عامة، قد يطول الدوران في حلقاتها المفرقة دون الوصول إلى الهدف المنشود.
وفيما يتعلق بالشق الزمني، فقد استغرقت المرحلة التمهيدية للحوار نحو عام كامل، قبل أن تنطلق جلساته التمهيدية في بداية السنة الثانية، وهو ما اعتبره البعض فترة طويلة تثير تساؤلات حول مدى جدية المسار، بل وتفتح الباب أمام فرضية وجود نية مبيتة لإطالة أمده، بما قد يحوله إلى أداة لكسب الوقت بدل أن يكون وسيلة للوصول إلى نتائج ملموسة.
وقد تعمقت هذه الشكوك مع تعليق جلسات الحوار التمهيدية، إثر الجدل الذي أثير حول إدراج مسألة عدد المأموريات ومددها ضمن جدول الأعمال، وحتى في حال عدم التصريح بهذا الموضوع من ظرف الأغلبية، فإن رفضها لطلب المعارضة باستثناء المأموريات الرئاسية، يمكن تفسيره على أنه مؤشر على وجود توجه مسبق لإدراجها ضمن أجندة الحوار.
وفي ظل هذا الوضع، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمآلات الحوار، يتمثل أولها في تدخل رئيس الجمهورية لحسم الجدل، عبر إعلان موقف واضح من مسألة المأموريات، وتوجيه داعميه إلى عدم إثارتها خلال الحوار، وهو ما قد يسهم في إعادة إطلاق المسار وتهدئة التوترات، وقد يكون هذا السيناريو هو الأرجح نظرا لما هو معهود من حرص الرئيس على تغليب مبدأ التفاهم، فضلا عن كونه هو صاحب مبادرة إطلاق الحوار ويظل تحكيمه مطلوبا سواء تعلق الأمر بمجرياته أو تطبيق ما سيصل إليه من نتائج.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في اعتماد نهج المماطلة من قبل الأغلبية، وهو احتمال وارد إذا كان الهدف من الحوار منذ البداية هو كسب الوقت وإشغال المعارضة والرأي العام إلى حين انتهاء المأمورية الحالية، ويعزز هذا الطرح ما صدر عن بعض المشاركين في الجلسات التمهيدية للحوار الوطني، من دعوة إلى تأجيل الحوار إلى ما بعد انقضاء الأزمة الدولة الراهنة.
في حين يقوم السيناريو الثالث على تمسك الأغلبية بطرح مسألة المأموريات داخل الحوار، مع احتمال السعي إلى تفكيك صفوف المعارضة، وتمرير مخرجات الحوار عبر إشراك أطراف معارضة شكلية، وهو ما قد يفرغ العملية برمتها من مضمونها التوافقي.
في المحصلة، يظل الحوار الوطني في موريتانيا رهينا بمدى توفر الإرادة السياسية الصادقة، وقدرة مختلف الأطراف على التوافق حول القضايا الجوهرية، بعيدا عن الحسابات الضيقة، بما يضمن تحقيق إصلاحات حقيقية تعزز الاستقرار وتخدم المصلحة الوطنية.










