مركز استطباب الأم والطفل حين تغيب الإنسانية وتسقط المسؤولية..شهادة من ليل الإهمال

بواسطة mohamed

من صفحة الدكتور عبد المجيد إبراهيم

البارحة وفي ساعةٍ تتخفّى فيها المدينة تحت عباءة الصمت، زرتُ مستشفى الأمومة والطفولة بقلب نواكشوط، لا سائحًا ولا عابرَ سبيل، بل مرافقًا لطفلٍ يتألم. 
كانت عقارب الساعة تشير إلى الساعة صفر وكان الليل ثقيلاً، والمرض أثقل، والبوابة الغربية شاهدة على أول خيبة، دخلت من تلك البوابة المقابلة لملعب لكصر والثانوية التجارية سألتُ عن الحالات المستعجلة، فقيل لي: ادخل الطابور أولاً… فالوجع هنا لا يمرّ إلا عبر الصندوق.
طابورٌ طويلٌ بلا نظام، أرقامٌ كُتبت على قصاصاتٍ مرتعشة، وحروفٌ لا تُجيد حتى تهجئة الصبر. جدالٌ وخصوماتٌ، تكرارُ أرقامٍ، وضياعُ أسبقيات، وكأن المرض نفسه يتنازع الدور. نصف ساعةٍ انقضت في طابور الدفع ثم دفعت، لأنتقل إلى انتظارٍ آخر… فالانتظار هنا طقسٌ لا يُختصر.
داخل قاعة الطابور الجديد  أطفالٌ محمومون، أنفاسٌ تضيق، إغماءةٌ هنا وبكاءٌ هناك، قاعةٌ مكتظة، بلا تهوية، حيث تنتقل العدوى أسرع من الرحمة، وحيث يُختبر جسد الطفل قبل ضمير المكان، نصف ساعةٍ أخرى، تتخللها أبواب تُفتح لأصحاب الحظوة، وضجيجٌ يتكرر، وحكاياتُ معاناةٍ تُروى همسًا، ودعاءٌ صادقٌ أن يُغني الله الناس عن هذا المكان ومن فيه.
حين جاء دوري، لم أدخل على طبيب، بل إلى طابورٍ جديد داخل غرفة المعاينة، لا أحد هناك سوى ممرضٍ واحد في مواجهة عشرات المكلومين؛ جلستُ أترقب الفرج، فإذا بممرضٍ ثانٍ يدخل، يجلس قليلًا، يبدأ استقبال بعض المرضى، ثم ينسحب الأول كأنهما يتناوبان على الغياب، دقائق، ويغادر الثاني أيضًا، فنبقى نحن أمام مقعدين خاوِيَين، نواجه الفراغ.. عويلُ أطفال، دموعُ أمهات، وتضرعٌ لا ينقطع.
في لحظة الغياب هذه دخلت سيدةٌ يبدو أنها تعرف المكان جيدًا، فتحت بابًا صغيرًا داخل غرفة المعاينة… كان دورةَ مياهٍ عمومية داخل غرفة المعاينة با للعجب!!!
قضت حاجتها، أغلقت الباب، لكن الروائح لم تُغلق. 
الأطفال المصابون بضيق التنفس ازداد شهيقهم، وكأن الهواء نفسه قرر أن يكون خصمًا، أوساخٌ تتناثر، وكرامةُ المريض تتوارى خلف بابٍ صغير.
بعد ساعةٍ، عاد أحد الممرضين، بدأ المعاينة عند الواحدة والربع فجرًا، وحين جاء دوري، وقفتُ بجانبه، والطفل إلى جواري، والممرض مشغولٌ بهاتفه: صوتياتٌ تُشغِل سمعه، ورسائلُ تُزاحم وجع الطفل.
 سألني عن الاسم والشكوى، فقلت له: حين تنتهي من هاتفك، نبدأ حديثنا… فليس لقلبٍ واحدٍ أن يحمل محادثتين، نظر إليّ شزرًا، ثم عاد للهاتف، ثم أعاد السؤال، أعدتُ جوابي، فارتفع صوته: «تلفون مان واف منها… وال لاه اتعدل عدلو». عندها قلت: أستودعك الله. وغادرتُ مع الطفل ووجعه.
ما زاد الدهشة أن الممرض شابٌ يافع، وفوق رأسه كاميراتٌ ترصد المكان، أيقنتُ أن الاستهتار هنا اختيار، وأن الغياب ليس غياب عينٍ بل غياب ضمير. نحن عشراتٌ كنّا ضحايا تلك الليلة، ويمكن للكاميرات — إن لم تكن معطلة — أن تشهد.
هذه ليست حادثةً فردية، بل مرآةٌ لواقعٍ موجع: مسؤوليةٌ غائبة، رقابةٌ نائمة، وإنسانيةٌ تُطفئها شاشة هاتف.
لذلك، أدعو وزير الصحة إلى زيارةٍ غير مبرمجة، في ساعةٍ متأخرة من الليل لهذا المشفى، ليرى ما لا تُظهره التقارير، وأدعو القائمين على هذا المرفق إلى تفعيل الرقابة وفرض احترام أدبيات المهنة، كما أنه آن الأوان للتفكير الجاد في حظر استخدام الهواتف أثناء معاينة المرضى.
ففي هذا المكان، لا يحتاج الطفل إلى مزيدٍ من الانتظار… بل إلى قلبٍ حاضر، وعناية "مركزة".