عرفت مقاطعة أوجفت، رغم ثرائها التاريخي والثقافي ومكانتها الرمزية في الذاكرة الوطنية، مسارًا تنمويًا متعثرًا انعكس بوضوح على المشهد السياسي المحلي.
فالمقاطعة التي أسهم أبناؤها في مقاومة الاستعمار وبناء الدولة، ظلت تعاني من ضعف الاستثمارات العمومية، وغياب المشاريع المهيكلة، وهو ما أفرز حالة من الإحباط الاجتماعي، ألقت بظلالها على الأداء السياسي وتفاعلاته.
في هذا السياق، تشكلت عبر العقود خارطة سياسية قوامها أحلاف محلية متنافسة، لم تنجح في كثير من الأحيان في تحويل التعدد إلى قوة اقتراح أو ضغط إيجابي، بل ظلت أسيرة صراعات داخلية، وتبدل في الولاءات، وتأثر مباشر بإيقاع السلطة المركزية.
ويمكن رصد أبرز ملامح هذه الخارطة من خلال تتبع مسار ثلاثة أحلاف رئيسية، لكل منها خصوصياته ونقاط قوته وضعفه.
أولًا: الحلف التقليدي المرتبط بالإدارة
يُعد هذا الحلف من أقدم التكتلات السياسية في أوجفت، وقد ارتكز تاريخيًا على شبكة من المنتخبين والأطر ورجال الأعمال، مستفيدًا من علاقاته مع الأنظمة المتعاقبة والامتدادات الاجتماعية المحلية.
غير أن السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد استحقاقات 2023، كشفت عن تراجع ملحوظ في تماسكه الداخلي وحضوره الميداني.
فبالرغم من احتفاظه ببعض المواقع الانتخابية والتمثيلية، إلا أن مظاهر الإرهاق التنظيمي وغياب التنسيق بين مكوناته باتت واضحة، ما انعكس على قدرته في لعب دور فاعل داخل الحزب الحاكم أو في التأثير على السياسات المحلية.
ويمكن القول إن هذا الحلف يعيش اليوم مرحلة انتقالية صعبة، تتطلب مراجعة عميقة لآليات عمله وخطابه السياسي.
ثانيًا: حلف القافلة (العهد لاحقًا)
نشأ هذا الحلف من تحالفات ظرفية جمعت فاعلين سياسيين ذوي خلفيات مختلفة، واتسم مساره بكثرة التحولات والتناقضات.
فقد تنقل بين موقع المعارضة والمساندة، وفقًا لمعادلات آنية، ما أثر على صورته لدى القواعد الشعبية.
مر الحلف بعدة مراحل قيادية وتنظيمية، وشهد محاولات لإعادة الترميم وإعادة التموضع، كان آخرها تغيير تسميته وهيكلته بعد انتخابات 2023.
ورغم امتلاكه رصيدًا من الأطر والمنتخبين، إلا أن إشكالية القيادة وضعف الاندماج في مراكز القرار الحزبي ظلت تحديًا قائمًا، حدّ من قدرته على استعادة زخم سياسي مستدام.
ثالثًا: حلف الوفاء كفاعل صاعد
برز هذا الحلف حديثًا كأحد أهم ملامح التجديد في المشهد السياسي المحلي , فقد تشكل من مزيج بين كوادر ذات تجربة سابقة ووجوه جديدة، ما منحه قدرًا من الحيوية والمرونة.
وخلال فترة زمنية قصيرة، تمكن من فرض حضوره انتخابيًا وتنظيميًا، ليس فقط على مستوى المقاطعة، بل أيضًا في الولاية وعلى الصعيد الوطني.
استفاد الحلف من وضوح قيادته، وقدرته على تعبئة القواعد، وحسن تموقعه داخل هياكل الحزب الحاكم، حيث حصد تمثيلًا وازنًا في الهيئات القيادية.
ويُنظر إليه اليوم كأحد أبرز مراكز “التحيين” في الخارطة السياسية لأوجفت.
خلاصة القول
تكشف قراءة المشهد السياسي في أوجفت عن تباين واضح بين أحلاف تعيش على إرث الماضي دون تجديد، وأخرى تحاول إعادة التموضع، وثالثة نجحت في استثمار لحظة التحول.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى الرهان الحقيقي مرتبطًا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تجاوز الصراعات الشخصية، وبناء عمل جماعي يستجيب لتطلعات الساكنة، ويحول التعدد السياسي من عامل استنزاف إلى رافعة تنموية حقيقية.








