ليس من اليسير، ولا من المنطقي أحيانًا، أن تُعقد مقارنة مباشرة بين مهرجان أطار الموسيقي ومهرجان بوعبون للثقافة والتنمية؛ فالمقارنة في ظاهرها تبدو، عند البعض، ضربًا من المجازفة العقلية إذا ما أُخذت بالأرقام الجافة والمعايير التقنية البحتة.
هنا ميزانيات مفتوحة، علاقات نافذة، حضور نوعي، إضاءة متقنة، ومدرجات عامرة بالمقاعد، وهناك إمكانيات محدودة، وموارد شحيحة، وسقف توقعات متواضع.
ووفق هذا المنطق، ينتصر مهرجان أطار لا محالة، لأن لغة المال غالبًا ما تكون الأعلى صوتًا في المشهد الثقافي.
غير أن الثقافة، حين تُختزل في الأضواء والموسيقى وعدد الكراسي، تفقد جوهرها، وتتحول إلى عرض عابر لا يترك أثرًا عميقًا في حياة الناس.
فالمعيار الأصدق لنجاح أي تظاهرة ثقافية لا يقاس بحجم الإنفاق، بل بعمق الأثر، وبما تضيفه من وعي، وتماسك اجتماعي، وأفق تنموي للساكنة المحلية.
من هذه الزاوية، يبرز مهرجان بوعبون للثقافة والتنمية بوصفه تجربة مختلفة، لا تراهن على الاستعراض، بل على المعنى. تجربة انتصر فيها الإنسان على الإمكان، والإرادة على الندرة، وحسن التدبير على ضغط السياسة وتقلباتها.
فقد استطاع رئيس المهرجان، الأستاذ بون ولد التيرجه، أن يحوّل قلة الوسائل إلى دافع للإبداع، وأن يدير التظاهرة بعقل بارد، ونَفَس طويل، وضبط للنفس، في سياق محلي يعرف حساسية سياسية وتداخلًا في المصالح.
إن ما حققه مهرجان بوعبون لا يُقرأ في دفاتر المحاسبة، بل في وجوه الساكنة، وفي شعورها بأن الثقافة يمكن أن تكون أداة للتنمية، وجسرًا للتماسك، ومساحة جامعة تتجاوز الاصطفافات الضيقة.
وهو نجاح لم يكن ليتحقق لولا تضافر جهود داعمين آمنوا بالفكرة قبل الأسماء، ووقفوا خلفها ماديًا ومعنويًا، من مختلف الأطياف السياسية، ومن شتى الفئات العمرية، دون حسابات ضيقة أو رهانات آنية.
ولا يكتمل هذا المشهد دون الإشادة بالدور المسؤول الذي اضطلعت به السلطات الإدارية والأمنية في مقاطعة أوجفت، بحضورها المتوازن وتواجدها المشرف، الذي وفّر الطمأنينة، ومنح القائمين على المهرجان سندًا مؤسسيًا يُحسب له أثره في إنجاح التظاهرة، ويؤكد أن الإدارة حين تنحاز للاستقرار والثقافة تصبح شريكًا حقيقيًا في التنمية.
هنيئًا لقرية بوعبون بأبنائها، وهنيئًا لثقافة تنتصر حين تُدار بعقل، وتُحمل بإرادة، وتُقاس بميزان الأثر لا بميزانية الإنفاق. ففي زمن يختلط فيه الصخب بالقيمة، يظل الرهان الحقيقي هو أن تجعل الثقافة الناس أكثر حضورًا في ذواتهم، وأكثر اتصالًا بأرضهم، وأكثر إيمانًا بأن التنمية تبدأ من الفكرة قبل المنصة.








