واحات النخيل في آدرار: من البافور إلى الزراعة المنظمة

بواسطة mohamed

تُعَدّ واحات النخيل في آدرار من أقدم وأهم الواحات في موريتانيا حيث ارتبط وجودها عند كثير من المؤرخين بحضارة شعب البافور الذين عاشوا في المنطقة قبل الحملة المرابطية التي أسهمت في أسلمة الجزء الغربي من الصحراء خلال القرن الحادي عشر الميلادي. 

يُعتقد على نطاق واسع أن البافور كانوا جماعة أمازيغية غير معتمدة على الإبل استوطنت الصحراء منذ عصور قديمة، واندمجت مع مجموعات سكانية تنتمي لإفريقيا جنوب الصحراء.

البافور وحضارتهم في آدرار

يرى بعض الباحثين أن البافور ورثوا حضارات العصر الحجري الحديث (النيوليثي) في منطقة تِشيت، وقد أسهموا في تأسيس أولى الواحات في آدرار. 

ويُعتقد أن هذه الواحات استمرت تحمل اسمهم حتى فترة متأخرة, تمتاز هذه الواحات بأشجار النخيل التي نمت بشكل طبيعي دون تدخل زراعي مباشر، مما أدى إلى إنتاج تمور صغيرة الحجم وقليلة الحلاوة مقارنةً بالتمور التي نعرفها اليوم.

التطور الزراعي للواحات

تشير الدراسات إلى أن هذا النوع من الواحات استمر قائمًا حتى بدايات القرن العشرين، خاصة في الجزء الغربي من آدرار، قبل أن يتم دمجه لاحقًا ضمن الواحات الزراعية المنظمة مع توافر الظروف الملائمة للزراعة. 

في بداياتها، كان استغلال هذه الواحات يعتمد على أسلوب الجمع والالتقاط، حيث كان السكان يجمعون التمور كما يفعلون مع ثمار السدر. 

كان لديهم موسم حصاد يُسمى "الگيطنة"، وهو فترة استقرار مؤقت للبدو في الواحات، ما زالت تحتفظ بطابعها الاجتماعي والاحتفالي حتى اليوم.

المصادر التاريخية والتوثيق القديم

تشير المصادر التاريخية، مثل تقارير المستكشف البرتغالي "فالنتيم فرنانديز" في أوائل القرن السادس عشر، إلى انتشار هذه العادة بين السكان المحليين. 

حيث وصف كيف كانوا يتوجهون إلى الجبال لجمع التمور من أشجار النخيل البرية وتجفيفها لاستخدامها طوال العام، رغم انخفاض جودتها. 

هذه الإشارات توضح كيف كانت هذه الواحات تعتمد في البداية على مصادر طبيعية، ولا سيما في الجبال والمناطق المحيطة.

أصل الواحات وتطورها

دراسة هذه الواحات أثارت العديد من التساؤلات حول أصلها وتطورها حيث اقترح بعض الباحثين أن واحات البافور قد تكون بقايا واحات طبيعية نشأت في فترات كان فيها مناخ الصحراء أكثر رطوبة. 

في هذا السياق، نقل الباحث "بيير بونت" عن العالم الفرنسي "مونييه" وجود تشابه بين بعض النخيل في آدرار ونخلة Phoenix atlantica (النخلة الأطلسية) التي يُعتقد أنها كانت جزءًا من الغطاء النباتي القديم الممتد من مصر إلى موريتانيا، قبل أن يتراجع بفعل التصحر.

بداية زراعة النخيل المنظمة

أما فيما يتعلق ببداية زراعة النخيل المنظمة في آدرار، فلا تزال المصادر غامضة. فقد أشار الجغرافي العربي "البكري" في عام 1068 إلى وجود حوالي 20,000 نخلة مزروعة في منطقة آزوگي، لكن من غير الواضح ما إذا كانت هذه النخيل مزروعة أو نمت طبيعيًا. الإشارات الأكثر وضوحًا لزراعة النخيل تعود إلى القرنين السابع عشر والثامن عشر، حيث ظهرت روايات عن استزراع نخيل جديد من سلالات محلية أو مستوردة.

التمور في آدرار: الأصناف المحلية

على سبيل المثال، يُقال إن التمور الحمراء (الحمُر) في منطقة أطار نشأت من واحة بين الجروف على بعد كيلومترات شمال المدينة، بينما يُعتقد أن التمور الصفراء (اتمر لَصفر) في وادان جاءت من وادي المالحة قرب گلب الريشات. 

كما تشير بعض الروايات إلى إدخال أصناف تمر جديدة خلال رحلات الحج، مثل تمر "لمدينه" القادم من المدينة المنورة.

خاتمة

تعتبر واحات النخيل في آدرار جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المنطقة وثقافتها، حيث كانت مصدرًا مهمًا للغذاء والاقتصاد المحلي. 

تطورت هذه الواحات عبر العصور، بدءًا من مرحلة الجمع والالتقاط، وصولاً إلى الزراعة المنظمة التي ساهمت في تحسين الإنتاجية. 

ورغم التحديات التي تواجهها هذه الواحات اليوم، فإنها تظل رمزًا للتراث الثقافي والزراعي في موريتانيا، ما يجعل دراسة تاريخها وتطورها أمرًا بالغ الأهمية لفهم ماضي وحاضر المنطقة.