إن استمرار تهميش كفاءات شريحة «لمعلمين» في التعيينات يطرح سؤالًا جوهريًا: ما جدوى خطاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في وادان، الرافض للإقصاء ومخلفات التراتبية الاجتماعية، إذا لم ينعكس ذلك عمليًا على فرص المواطنين في تولي المسؤوليات؟
إنصاف «لمعلمين» ليس مطالبة بامتياز فئوي، بل استحقاق تفرضه الكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص. فبين أبناء هذه الشريحة كفاءات علمية وإدارية ومهنية لا يجوز أن يحجبها الانتماء الاجتماعي عن مواقع تستحقها بمؤهلاتها.
والأكثر إثارة للتساؤل أن كفاءات من هذه الشريحة حاضرة في جل القطاعات، وتضطلع بأدوار فنية وإدارية أساسية، وتسهم بخبراتها في تسيير المرافق العمومية وإنجاز الأعمال التي تقوم عليها المؤسسات. ومع ذلك، يبدو أن حضورها في مواقع العمل والإنتاج لا يقابله، بحسب ما يثيره هذا الواقع من تساؤلات، حضور مماثل في الوظائف السامية ومراكز القرار، التي تذهب في حالات كثيرة إلى شرائح أخرى.
وهنا يستحضر الناس المثل الشعبي: «التعب لنا والأجر ليوسف»؛ أي أن يتحمل البعض عبء العمل والعطاء، بينما تذهب ثمار الترقية والمناصب العليا إلى غيرهم. وإذا كان هذا الانطباع يعكس واقعًا في بعض القطاعات، فأي عدالة هذه، وأي إنصاف يتحقق حين تتقدم الكفاءة في أداء الواجب، ثم تتراجع عند توزيع المسؤوليات؟
فخامة الرئيس، إن محاربة الإقصاء لا تُقاس بالشعارات، بل بمدى حضور العدالة في القرارات. والمطلوب مراجعة واقع التعيينات على أساس معطيات دقيقة، وضمان معايير شفافة تنصف الكفاءات بعيدًا عن الاعتبارات الاجتماعية، مع فتح المجال أمام أبناء «لمعلمين» لتولي الوظائف السامية التي تؤهلهم لها خبراتهم ومؤهلاتهم.
إن موريتانيا لا تحتاج إلى محاصصة جديدة، بل إلى دولة مواطنة لا يُقصى فيها مؤهل بسبب أصله، ولا يُمنح فيها منصب إلا على أساس الاستحقاق، ولا تتحول فيها الكفاءة إلى مجرد أداة للعمل دون أن تكون طريقًا إلى تحمل المسؤولية والقرار.
فلا تجعلوا أبناء «لمعلمين» يشعرون بأنهم عادوا إلى المربع الأول، واجعلوا من خطاب وادان واقعًا ملموسًا، لا وعدًا مؤجلًا؛ فالإنصاف الحقيقي يبدأ حين تتساوى فرص المواطنين في خدمة الدولة، وفي الوصول إلى مواقع القرار، بقدر ما يملكون من كفاءة واستحقاق.
تهميش «لمعلمين» في التعيينات.. هل نعود إلى المربع الأول؟ الفقيه الاستاذ نوح عيسي










