في تاريخ الأمم رجالٌ لا تُقاس مكانتهم بعدد المناصب التي تقلدوها، وإنما بما تركوه في قلوب الناس من أثر، وبما غرسوه في الذاكرة الوطنية من مواقف نبيلة. ومن هؤلاء يبرز اسم الرئيس الراحل با مامادو امباري، أحد رجالات الدولة الذين جمعوا بين هيبة المسؤول، وصدق الإنسان، ونبل الأخلاق، حتى أصبح اسمه مقترناً بالاستقامة والتواضع وخدمة الوطن.
خاض الراحل مسيرة وطنية طويلة تقلد خلالها عدداً من أرفع المناصب في الدولة، وكان آخرها رئاسة مجلس الشيوخ، قبل أن يتحمل مسؤولية رئاسة الجمهورية بالنيابة خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت أحداث عام 2008، في ظرف سياسي بالغ الحساسية. وقد أدى تلك المسؤولية بروح رجل الدولة الحريص على استقرار البلاد، ثم سلم الأمانة إلى الرئيس المنتخب، وعاد إلى حياته بعيداً عن ضجيج السلطة، في مشهد نادر يجسد أن المناصب عند الرجال الشرفاء تكليف لا تشريف.
ولم يكن با مامادو امباري كبيراً بمنصبه فقط، بل كان كبيراً بأخلاقه، معروفاً بصدق الحديث، وقوة الشخصية، ورجاحة العقل، كما حظي بمكانة اجتماعية رفيعة داخل مجموعة إفلان ذات الجذور العربية العريقة، حيث ظل محل احترام وتقدير لما عرف عنه من الوفاء، والكرم، والتواضع، وقربه من مختلف مكونات المجتمع الموريتاني دون تمييز.
ومن أجمل ما يُروى عن خصاله الإنسانية قصة بقيت تتناقلها الألسن شاهدة على معدنه الأصيل. وتقول الرواية إن امرأة أرملة، تعيل أطفالاً أيتاماً كان والدهم يعمل في الشركة الموريتانية لتسويق الأسماك، قصدته يوماً وهو يغادر مقر المؤسسة متوجهاً إلى سفر رسمي. نادته، فتوقف رغم انشغاله، واستمع إليها بكل اهتمام، لتخبره بأن حقوق أطفالها المتوفى والدهم ما تزال معلقة ولم تتم تسويتها.
تأثر الرجل تأثراً بالغاً، واستدعى أحد مرافقيه، وطلب منه إحضار المخصصات المالية التي كانت معدة لسفره، فقدمها كاملة لتلك الأرملة لتعينها على مواجهة أعباء الحياة، ثم أصدر تعليماته الصريحة بأن تُسوَّى حقوق الأيتام قبل عودته من السفر.
وتضيف الرواية أن المرأة رفعت يديها إلى السماء، ودعت الله أن يريها هذا الرجل رئيساً لموريتانيا، إيماناً منها بأن دعوة المظلوم لا يحول بينها وبين الله حجاب. ولم تمضِ الأعوام حتى شاءت الأقدار أن يتولى با مامادو امباري رئاسة الجمهورية بالنيابة، وكأن تلك الدعوة الصادقة وجدت طريقها إلى السماء.
وسواء نظرنا إلى هذه القصة باعتبارها رواية متداولة أو واقعة موثقة، فإنها تعبر عن الصورة التي استقرت في أذهان كثيرين عن شخصية الرجل: مسؤول يرى في السلطة وسيلة لخدمة الناس، لا باباً للمكاسب الشخصية، ويؤمن بأن قيمة المسؤول تقاس بما يخففه من آلام الضعفاء، لا بما يحيط نفسه به من مظاهر النفوذ.
لقد غادر با مامادو امباري الدنيا، لكنه ترك وراءه سيرة عطرة، وإرثاً من النزاهة والشهامة، ودرساً بليغاً في أن الأخلاق هي التي تمنح المناصب معناها الحقيقي، وأن التاريخ لا يخلد أصحاب الكراسي، وإنما يخلد أصحاب المواقف.
رحم الله الرئيس با مامادو امباري رحمة واسعة، وجزاه عن موريتانيا خير الجزاء، فقد عاش وفياً لوطنه، قريباً من شعبه، وترك للأجيال نموذجاً لرجل الدولة الذي انتصر للإنسان قبل أن ينتصر للسلطة، فاستحق أن يبقى اسمه حاضراً في سجل الرجال الذين يصنعون المجد بأخلاقهم قبل قراراتهم.
الرئيس الراحل با مامادو امباري... حين تصنع الأخلاق رجال الدولة / نوح محمد محمود










