في مدينة أطار، حيث تعانق الجبال زرقة السماء، وتهمس الأزقة بأصوات العابرين من قرون خلت، تمضي الأيام خفيفة على أرواح الأحياء القديمة، لكنها ثقيلة على أسمائها التي كانت يومًا ما صدىً لخطى الأجداد، وعنوانًا لذاكرة مدينة عتيقة تنبض بالتاريخ.
هنا، في هذه المدينة التي سكنتها الرمال وكتبتها الشمس على جدران الطين، تتلاشى أسماء أحياء كانت نبض الحياة ومرآة الزمن الجميل.
أسماء كُتبت بماء الذاكرة: "ابجيه"، سوق المدينة، الذي كان قلبًا نابضًا بالحركة، مركزًا للرزق واللقاء.
و"ادباي"، الذي غيّبته الألسن الجديدة تحت اسم دخيل: "مونتاي ساليم". و"شارع الهامله"، الذي تلاشى اسمه تحت لافتة محل تجاري لا يعرف من تاريخه شيئًا.
وهناك "الحسينية"، و"أم اصفيه"، وحي "اكويكه"، الذي لم يبق منه إلا الاسم، بلا معالم ولا ملامح.
أما "دار لعلامه"، التي كانت شاهدًا على زمن العلم والتقوى، فقد أُزيحت عن خارطة الذاكرة، لتُقام على أنقاضها أرضية ملعب يحمل اسمًا لا يروي شيئًا من ماضيها.
ليست تلك الأسماء مجرد حروف منسية، بل هي سرديات زمن، تحكي سيرة أحياء كانت، وحياة مضت، وأرواح سكنت المكان قبل أن تغيّبه العناوين المستحدثة وزخرف الحداثة.
كانت الأحياء قديمًا أكثر من جغرافيا، كانت هوية تنبض بالحياة، وذاكرة تسري في الممرات والوجوه.
واليوم، وفي زمن يتقدّم بسرعة، تذوب تلك الهوية في زحمة الأسماء المستوردة، وتكاد تغيب عن وعي جيل جديد وُلد على وقع تسميات لا صلة لها بتاريخ المكان ولا دفء الحكايات.
فهل نترك تلك الأسماء لتُمحى من ذاكرة المدينة، أم نعيد لها الاعتبار قبل أن تُصبح مجرد هوامش في كتب النسيان؟