حين يُذكر اسم بوبه ولد غلام في مدينة أوجفت، تتسارع الهمسات في المجالس، وتُفتح العيون دهشة وإكبارًا، ويُردّد بعضهم مقولة مأثورة: "وخيرت الإمام بوبه..."، في إشارة صادقة إلى الأثر العميق الذي خلّفه في نفوس الناس، وموضعه الراسخ في ذاكرة المجتمع المحلي.
لم يكن بوبه ممن يرضون بالسكوت أمام اعوجاج الحال، ولا ممن يكتفون بمقاعد المتفرجين على انحدار القيم.
بل كان فتىً شجاعًا، استشعر مسؤوليته تجاه دينه وأهله، فحمل لواء الدعوة إلى الله، متخذًا من التبليغ عن نبيّه ﷺ طريقًا ومنهجًا، لا يكلّ ولا يملّ.
جال في الوديان، وزار القرى المجاورة، ناشرًا كلمة الحق، داعيًا إلى الصلاح، ورافضًا أن يترك الناس فريسة للجهل والغواية.
كان يؤمن بعمق أن الجهل أصل الأزمات، وأن الانحراف عن الهدي الرباني هو منبت الفتن والاضطراب.
واجه معارضة البعض بصبر وثبات، إذ لم يملك خصومه حجة تُضاهي منطقه، بل كانت أهواؤهم تسوقهم، وأطماع الدنيا تضلّهم.
عرفه الناس غيورًا على الدين، مصلحًا في مجتمعه، لا يمر بمنكر إلا سعى إلى تغييره.
وإن أتم صلاته، وقف مخاطبًا المصلين بكلمات موجزة لا تتجاوز دقائق معدودة، لكنها تنفذ إلى القلب، وتوقظ الغافلين.
أما خطب الجمعة، فكانت موعدًا ثابتًا لتجديد الصلة بالواقع، إذ لا يعلو منبر المسجد إلا متحدثًا عن شؤون الناس، موجّهًا النصح بلغة صادقة تمس الحاجات، وتضيء السبيل في زمان كثر فيه اللغط، وندر فيه من يذكّر بالله عن علم وبصيرة.
بوبه ولد غلام، لم يكن مجرد إمام، بل كان شاهدًا على عصره، وضميرًا حيًّا في مدينة أوجفت، وركنًا من أركان الدعوة والإصلاح في ربوعها.