لأننا نعاني من الأمية الرقمية نضع كل شيء على صفحات الفيسوك، بينما المجال الرقمي يتيح نطاقات مختلفة ليتوزع بينها المحتوى على اختلاف وتعدد أنماطه وقواعده ومبررات وجوده، لذلك كان التمييع في مجتمعنا مصير كل شيء وخاصة الأفكار الجديدة.
أتذكر أني أمضيت سنة كاملة أسأل زملائي والمقربين والمعارف فردا فردا كلما كانت الفرصة مناسبة للتحدث عن جديد الإعلام الرقمي، فأسأل هذا وذك هل سمعت بمصطلح "البودكاست"؟ خلال سنة كاملة لم يجبني بنعم وعن معرفة غير صحافي واحد و إثنين من الإخوة، الأول مهندس طيران، والثاني طالب جامعي متابع مهتم بدورات Google المتخصصة؛ كان ذلك في العام 2020.. كنت حينها أحضر لإطلاق تجربة أول بودكاست لصالح قناة الموريتانية الأولى، وعبر المنصات الرقمية التالية: "جول بودكاست، آبل بودكاست والصوند كلاود"، ليكون نسخة مطورة لبرنامج النشاط الرقمي؛ قمت بإعداد التصور وتصوير "البرومو"، رحب المدير العام بالفكرة، لكنها واجهت تحفظا من الإدارة المعنية بشكل مباشر إلى اليوم.
بعد فترة تقدر بسنة وربما أكثر ظهرت تجربة بودكاست تواتر عبر الفيسبوك في رمضان؛ وكانت محاولة تجريبية جميلة وموفقة، لكنها فتحت المجال لتمييع الفكرة والنمط من الإنتاج الإعلامي الرقمي، بحيث ظن كثيرون أن البودكاست تعني فقط حجب الصورة وإطلاق البث الصوتي عبر الفيسبوك، وهذا خطأ وفهم سلبي، أصابني بالإحباط، فوق ما أصابني بفعل التحفظ الذي واجهته من قبل حين قدمت الفكرة باهتمام بالغ وعزم على الاحترافية في الإنتاج والتقديم.
في رمضان الأسبق ظهر الصحافي الموفق بفكرته "بودكاست تكملة"، وكانت تجربة مهنية وفنية تبعث الأمل من جديد، لكن المحاولات بعدها عبثت بالمعايير، حتى أصابت المتابعين بالهول والحيرة، وصار المتابع يسأل ما هذا؟ ما معنى البودكاست؟ ولكن دون جواب! بينما البودكاست جاء كما استخدمته وسائل إعلام عربية ودولية لتقديم القصص الصحافية من مصادر يحرجها الظهور بالصورة ولكنها مستعدة لرواية التفاصيل بالصوت فقط، كما كانت فرصة جيدة لمنتجي التحقيقات الاستقصائية حول المواضيع الحرجة والمتضمنة ضحايا بأوضاع حرجة، فكان لا بد لمثل هذه الحالات من نطاق خاص لتمريرها وتوثيقها وبثها عبر وسائط إعلامية رقمية.. هنا استجابت شركات التكنلوجيا وأتاحت للمستخدمين نطاقات Google PODCAST/ APPL PODCAST / SOND CLOUD.
تطور الأمر كثيرا من بعد بحيث تعددت التجارب وتنوعت على المستويين الغربي والعربي، إلا أن الحاصل من برامج البودكاست عبر صفحات الفيسبوك الموريتانية ليس سوى عبث بالمعايير الإعلامية العلمية، وتمييع للفكرة من حيث الأصل، وإرباك للجمهور!
محمد الأمين محمد المامي - كاتب صحافي