من بوعبون إلى تنومند.. حراك شبابي يرسم ملامح نهضة ثقافية في أوجفت

بواسطة mohamed

في تجربة ثقافية وتنموية تستحق التوقف عند دلالاتها وأبعادها، برزت خلال الفترة الأخيرة مبادرات شبابية نوعية في مقاطعة أوجفت، نجحت في نقل عدد من التجمعات والقرى من هامش الاهتمام الثقافي والإعلامي إلى فضاء أوسع من الحضور والتعريف بالموروث المحلي، مستندة إلى رؤية تقوم على صيانة الذاكرة الجماعية، وإحياء الموروث الثقافي، وتعزيز المشاركة المجتمعية في مسار التنمية المحلية.

ولم تكن هذه المبادرات مجرد أنشطة احتفالية عابرة، أو مناسبات موسمية لاستعراض التراث، بل تحولت إلى منصات للتواصل بين المجتمع المحلي ومؤسسات الدولة، وإلى فضاءات جامعة استقطبت الإدارة الإقليمية والمنتخبين والأطر والمثقفين ورجال الأعمال، فضلاً عن مشاركة واسعة من السكان، في مشهد يعكس إمكانية توظيف الثقافة بوصفها مدخلاً لتعزيز التنمية وتقوية الروابط الاجتماعية.

وقد تجلت أهمية هذه التجربة في الحضور المتكرر لممثلي الإدارة، من والي آدرار أو الوالي المساعد والمستشارين، إلى حاكم مقاطعة أوجفت ورئيس مركز انتيركنت وعمدته، وهو حضور منح هذه الفعاليات بعداً مؤسسياً، وأسهم في تقريب الإدارة من المواطنين، وفتح قنوات مباشرة للتواصل مع السكان والاستماع إلى تطلعاتهم وانشغالاتهم.

كما أعادت هذه المهرجانات الاعتبار للدور الذي يمكن أن يؤديه الشباب، ولا سيما الأساتذة والأطر والمثقفون، في تحريك الفعل الثقافي والاجتماعي، وتحويل المبادرات الفردية إلى مشاريع مجتمعية قادرة على استقطاب مختلف الفاعلين حول أهداف مشتركة.

 

أربعة شباب.. ورؤية تتجاوز حدود الاحتفال

تقف وراء هذه التجربة أربعة أسماء شبابية من أبناء المقاطعة، اختار أصحابها الاستثمار في الانتماء المحلي وتحويل الارتباط بالقرى إلى عمل ميداني منظم، لكل منهم بصمته الخاصة في تأسيس مهرجان أو قيادته وتطويره.

 

الأستاذ بون ولد التيرجه كان من أوائل من وضعوا اللبنات العملية لهذه التجربة، من خلال إطلاق مهرجان بوعبون في نسخته الأولى، ومواصلة العمل على ترسيخ الفكرة في نسخته الثانية، التي جاءت لتؤكد قدرة المبادرات الثقافية المحلية على اكتساب ثقة السكان واستقطاب اهتمام الإدارة والفاعلين. 

وقد شكلت تجربته نموذجاً في تحويل الحماس الفردي إلى نشاط جماعي يستند إلى المشاركة المجتمعية والاعتزاز بالموروث المحلي.

 

وفي قرية فارس، أخذت المبادرة مساراً مماثلاً، حين قاد الوجيه الشاب محمد فال ولد اعمر ولد اعل النسخة الأولى من مهرجان القرية، وسط تفاعل لافت من السكان الذين استقبلوا الحدث بروح من الكرم والتضامن والاعتزاز بالانتماء. 

وقد أسست تلك النسخة لقاعدة اجتماعية وتنظيمية مهدت الطريق أمام تطوير التجربة والانتقال بها إلى مرحلة أكثر نضجاً.

 

 

وجاءت النسخة الثانية بقيادة الشاب عمار ولد أخويمة، رئيس مهرجان فارس، لتواصل البناء على ما تحقق سابقاً، وتؤكد أهمية الاستمرارية وتداول المسؤولية الشبابية في إنجاح المبادرات المحلية، بما يضمن عدم ارتباطها بجهد مؤسس واحد، بل بتحولها إلى مشروع مجتمعي قابل للتطور والتوسع.

 

 

أما الشاب محمد ولد الطلبة، رئيس مهرجان تجمع تنومند، فقد أضاف محطة جديدة إلى هذا المسار من خلال تنظيم النسخة الأولى من مهرجان تنومند للثقافة والتنمية، في مبادرة استطاعت أن تمنح التجمع حضوراً ثقافياً واجتماعياً مميزاً، وأن تضعه ضمن خارطة الفعاليات المحلية الهادفة إلى إبراز خصوصيات القرى والتجمعات التابعة للمقاطعة.

وقد شكل مهرجان تنومند، من حيث طبيعة برامجه وحجم التفاعل الذي رافقه، محطة بارزة في مسار هذه المبادرات، بالنظر إلى ما أتاحه من فرصة للتعريف بالموروث المحلي، وتعزيز التلاقي بين الأجيال، وإبراز دور التجمعات الريفية في المشهد الثقافي والتنموي للمقاطعة.

حضور الإدارة.. من التمثيل الرسمي إلى التواصل المجتمعي

من أبرز المؤشرات التي ميزت هذه التجربة نجاح المنظمين في استقطاب اهتمام الإدارة الإقليمية، وإيجاد مساحة للتفاعل المباشر بينها وبين المواطنين خارج الأطر الإدارية التقليدية.

فحضور والي آدرار في بعض الفعاليات، ومشاركة الوالي المساعد والمستشارين وحاكم مقاطعة أوجفت ورئيس مركز انتيركنت وعمدته في مناسبات أخرى، لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، بل حمل دلالة اجتماعية ومؤسسية مهمة، تتمثل في الاعتراف بقيمة المبادرات المحلية وأهمية الانفتاح على الفاعلين الشباب والمجتمعات القروية.

كما أتاح هذا التقارب للسكان فرصة للتعبير عن تطلعاتهم، وإبراز خصوصيات مناطقهم، وإيصال رسائلهم المتعلقة بالخدمات الأساسية والاحتياجات التنموية، في ظل أجواء تجمع بين الاحتفاء بالتراث وطرح قضايا الحاضر واستشراف المستقبل.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المهرجانات باعتبارها جسوراً للتواصل المجتمعي، تسهم في تعزيز الثقة بين المواطن والإدارة، وتمنح الفاعلين المحليين فرصة للمشاركة في تحديد الأولويات وإبراز الإمكانات المتاحة داخل مناطقهم.

رجال الأعمال والسكان.. شراكة صنعت الفارق

لم يكن النجاح الذي حققته هذه المهرجانات نتيجة الجهد التنظيمي وحده، بل ارتبط أيضاً بمستوى التفاعل الذي أبداه رجال أعمال المنطقة وأطرها وساكنتها، الذين شكلوا رافعة أساسية لإنجاح هذه المبادرات.

فقد عكست المشاركة الواسعة لأبناء القرى، داخل المنطقة وخارجها، مستوى من الارتباط الوجداني بالمجال المحلي، وأظهرت استعداداً للمساهمة في المبادرات التي تستهدف صيانة التراث وتعزيز الحضور الاجتماعي والثقافي لقراهم.

كما أن انخراط رجال الأعمال والوجهاء والأطر والمثقفين يمنح هذه التجارب فرصة للانتقال من التمويل الظرفي إلى بناء شراكات مستدامة، يمكن أن تتجاوز تنظيم المهرجانات لتشمل دعم التعليم، وتحسين الخدمات، وتشجيع الأنشطة المدرة للدخل، والمحافظة على الموارد الثقافية والبيئية.

وتكشف هذه التعبئة عن رصيد اجتماعي مهم في مقاطعة أوجفت، يتمثل في قدرة أبنائها على الالتقاء حول قضايا مشتركة، وتوظيف علاقاتهم وخبراتهم وإمكاناتهم لخدمة مجتمعاتهم المحلية.

الثقافة بوصفها رافعة للتنمية المحلية

من الناحية التنموية، تكتسب هذه المبادرات أهميتها من كونها تربط بين صيانة الموروث الثقافي ومتطلبات التنمية المعاصرة. 

فالقرى لا تمتلك مقوماتها التنموية في مواردها الطبيعية والبشرية فحسب، بل تمتلك أيضاً رصيداً تاريخياً واجتماعياً وثقافياً يمكن أن يشكل أساساً لمشاريع اقتصادية وسياحية مستدامة.

وتتيح المهرجانات المحلية فرصاً للتعريف بالخصوصيات التراثية، وإبراز العادات والتقاليد والحرف والمنتجات المحلية، وتشجيع السياحة الداخلية، فضلاً عن تحفيز الشباب على الانخراط في العمل التطوعي والتنظيمي واكتساب مهارات جديدة في التسيير والتواصل وإدارة المشاريع.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه المبادرات تظل مرتبطة بقدرتها على تجاوز الطابع الاحتفالي، من خلال اعتماد برامج مرافقة تستثمر الزخم الجماهيري والمؤسسي الذي توفره المهرجانات، وتحوله إلى مشاريع عملية تستجيب لحاجات السكان.

ومن هنا تبرز أهمية التفكير في إنشاء آليات للتنسيق بين القائمين على هذه المهرجانات، والبلديات، والجهة، والقطاعات الحكومية المعنية، ورجال الأعمال، بهدف تحويل هذه التجارب إلى مسار متكامل للتنمية الثقافية والمجتمعية.

تجربة تستحق التثمين والاستمرارية

إن ما تحقق في بوعبون وفارس وتنومند، وما رافقه من تفاعل مجتمعي وحضور إداري ومشاركة للفاعلين المحليين، يقدم صورة إيجابية عن طاقات الشباب في مقاطعة أوجفت، وقدرتهم على إطلاق مبادرات تتجاوز الإمكانات المحدودة، متى توفرت الإرادة والرؤية وروح العمل الجماعي.

كما تؤكد هذه التجربة أن الاهتمام بالقرى لا ينبغي أن يقتصر على التدخلات الخدمية والاقتصادية، بل يجب أن يشمل أيضاً صيانة ذاكرتها الثقافية، وإبراز تاريخها، وتعزيز حضورها في الوعي العام، باعتبار ذلك جزءاً من التنمية المتوازنة والعدالة المجالية.

إن هؤلاء الشباب لم يكتفوا بالتعبير عن حب قراهم، بل ترجموا هذا الانتماء إلى مبادرات ميدانية أعادت الاعتبار للموروث المحلي، وفتحت أبواب التواصل بين السكان والإدارة، واستنهضت مساهمة الأطر ورجال الأعمال وأبناء المنطقة.

إنها تجربة تستحق التهنئة والتثمين، ليس فقط تقديراً لأصحاب المبادرات الأربعة، وإنما اعترافاً بقيمة نموذج شبابي آمن بقدرات مجتمعه، واختار أن يجعل من الثقافة أداة للتقارب، ومن التراث جسراً إلى المستقبل، ومن العمل الجماعي طريقاً نحو تنمية محلية أكثر حضوراً واستدامة.

فهنيئاً لشباب أوجفت بهذه المبادرات، وهنيئاً للقرى التي وجدت في أبنائها من يحمل ذاكرتها، ويعرّف بتاريخها، ويعمل من أجل مستقبلها.

 

ولنا عودة بحول الله تعالي في تقرير يشمل كافة مهرجانات مقاطعة أوجفت حين تكتمل الصورة والمعلومات الكافية .

 

         تقرير .. محمد \ اعليوت  

     مقاطعة اوجفت ... ولاية آدرار